تمثل حادثة کربلاء في التاريخ الإسلامي واحدة من أهم منعطفات ذلک التاريخ، حتى أنه يمکن القول إن مسار التاريخ الإسلامي لم يعد بعد کربلاء کما کان قبلها. ذلک أنه مع استشهاد الإمام الحسين انقسم العالم الإسلامي إلى فريقين- ومازال- فريق سني وآخر شيعي، وبدأ صراع عقدي وفکري مازالت أصداؤه تتردد من لدن ذلک التاريخ حتى وقتنا الراهن.
وانعکست تلک الحادثة من جملة ما انعکست على الأدب وخاصة المسرح ذلک أن المسرح بحکم تکوينه يمثل بما يملک من صراع درامي وحضور للممثلين على خشبة المسرح واقعًا يشبه ما کان عليه الحال في کربلاء، لذا فقد شکلت حادثة کربلاء بما لها من أهمية تاريخية، وما تحمله من دلالات ورموز مجالاً خصبًا أغرى المسرحيين على تناول تلک الحادثة مسرحيًا وإعادة تصويرها من جديد بعد تحميلها بمضامين مختلفة تختلف تبعًا لمؤلفها وزمانها وبيئتها.
وکانت مسرحية کربلاء لعلي برکطاي هي أول عمل مسرحي في المسرح الترکي المعاصر يتناول تلک الحادثة بشکل مسرحي مستقل وهذا ما دفعنا لتناول تلک المسرحية بالدراسة.
وقد سعيت من خلال تلک الدراسة لتوضيح ملامح التأثير الذي ترکه مسرح التعزية على تناول الکاتب لشخصية الحسين في مسرحيته وبيان أوجه الشبه المتعددة بين مسرح التعزية التقليدي ومسرحية کربلاء.
ولتحقيق الهدف المرجو من تلک الدراسة رأيت من الأوفق أن أتناولها في تمهيد ومدخل ومبحثين وخاتمة. جاء التمهيد تحت عنوان " التواجد الشيعي العلوي في منطقة الأناضول نظرة تاريخية موجزة". أما المدخل فجاء تحت عنوان" کربلاء في الأدب الترکي". وجاء المبحث الأول تحت عنوان: :"مسرح التعزية: النشأة وأبرز السمات". والمبحث الثاني تحت عنوان:" ملامح تأثر الکاتب المسرحي علي برکطاي بمسرح التعزية في تناوله لشخصية الحسين في مسرحيته کربلاء".
وقد خلصت الدراسة إلى أن الکاتب الترکي علي برکطاي قد نجح في تقديم عمله المسرحي بلغة مسرحية راقية متدفقة على لسان شخصيات المسرحية في بعدها التاريخي والأسطوري مستفيدًا من ذلک التراث الکبير من المراثي والأشعار ومسرحيات التعزية ليعکس الصراع بين معسکر الخير الذي يمثله الحسين رضي الله عنه وأصحابه ومعسکر الشر الذي يمثله يزيد ومن معه، ويعيد التأکيد على صيرورة تلک المعاني والقيم التي تمثلها کربلاء واستشهاد الحسين بها. وتمکن الکاتب من إعادة إنتاج إحدى نماذج مسرح التعزية التقليدي في ثوب مسرحي معاصر دون أن يعني هذا بأي حال من الأحوال أن العمل قد جاء نسخة مکررة لمسرحيات سابقة، بل على العکس من ذلک فإن بصمة الکاتب الإبداعية وشخصيته تبدو واضحة في کل صفحة من صفحات ذلک العمل الفني.
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يکون هذا البحث قد قدم جديدًا لتلک الدراسات التي تناولت الأدب الترکي بشکل عام والمسرحي بشکل خاص، ونجح في تقديم عمل مسرحي ترکي معاصر لم يسبق تقديمه للقاريء المصري والعربي.